محمد بن جرير الطبري

44

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وقوف عليها يتعجبون ، منهم من يقول : ما كان أيوب يعبد شيئا وما كان إلا في غرور ؛ ومنهم من يقول : لو كان إله أيوب يقدر على أن يمنع من ذلك شيئا لمنع وليه ، ومنهم من يقول : بل هو فعل الذي فعل ليشمت به عدوه وليفجع به صديقه . قال أيوب : الحمد لله حين أعطاني وحين نزع مني ، عريانا خرجت من بطن أمي ، وعريانا أعود في التراب ، وعريانا أحشر إلى الله ، ليس ينبغي لك أن تفرح حين أعارك الله وتجزع حين قبض عاريته ، الله أولى بك وبما أعطاك ، ولو علم الله فيك أيها العبد خير النقل روحك مع ملك الأرواح ، فآجرني فيك وصرت شهيدا ، ولكنه علم منك شرا فأخرك من أجله فعراك الله من المصيبة وخلصك من البلاء كما يخلص الزوان من القمح الخلاص . ثم رجع إبليس إلى أصحابه خاسئا ذليلا ، فقال لهم : ماذا عندكم من القوة ، فإني لم أكلم قلبه ؟ قال عفريت من عظمائهم : عندي من القوة ما إذا شئت صحت صوتا لا يسمعه ذو روح إلا خرجت مهجة نفسه . قال له إبليس : فأت الغنم ورعاتها فانطلق يؤم الغنم ورعاتها ، حتى إذا وسطها صاح صوتا جثمت أمواتا من عند آخرها ورعاءها . ثم خرج إبليس متمثلا بقهرمان الرعاء ، حتى إذا جاء أيوب وجده وهو قائم يصلي ، فقال له القول الأول ، ورد عليه أيوب الرد الأول . ثم إن إبليس رجع إلى أصحابه ، فقال لهم : ماذا عندكم من القوة ، فإني لم أكلم قلب أيوب ؟ فقال عفريت من عظمائهم : عندي من القوة إذا شئت تحولت ريحا عاصفا تنسف كل شيء تأتي عليه حتى لا أبقي شيئا . قال له إبليس : فأت الفدادين والحرث فانطلق يؤمهم ، وذلك حين قربوا الفدادين وأنشئوا في الحرث ، والأتن وأولادها رتوع ، فلم يشعروا حتى هبت ريح عاصف تنسف كل شيء من ذلك حتى كأنه لم يكن . ثم خرج إبليس متمثلا بقهرمان الحرث ، حتى جاء أيوب وهو قائم يصلي ، فقال له مثل قوله الأول ، ورد عليه أيوب مثل رده الأول . فلما رأى إبليس أنه قد أفنى ماله ولم ينجح منه ، صعد سريعا ، حتى وقف من الله الموقف الذي كان يقفه ؛ فقال : يا إلهي ، إن أيوب يرى أنك ما متعته بنفسه وولده ، فأنت معطيه المال ، فهل أنت مسلطي على ولده ؟ فإنها الفتنة المضلة ، والمصيبة التي لا تقوم لها قلوب الرجال ، ولا يقوى عليها صبرهم . فقال الله تعالى له : انطلق ، فقد سلطتك على ولده ، ولا سلطان لك على قلبه ولا جسده ولا على عقله فانقض عدو الله جوادا ، حتى جاء بني أيوب وهم في قصرهم ، فلم يزل يزلزل بهم حتى تداعى من قواعده ، ثم جعل يناطح الجدر بعضها ببعض ، ويرميهم بالخشب والجندل ، حتى إذا مثل بهم كل مثلة ، رفع بهم القصر ، حتى إذا أقله بهم فصاروا فيه منكسين ، انطلق إلى أيوب متمثلا بالمعلم الذي كان يعلمهم الحكمة ، وهو جريح ، مشدوخ الوجه يسيل دمه ودماغه متغير لا يكاد يعرف من شدة التغير والمثلة التي جاء متمثلا فيها . فلما نظر إليه أيوب هاله وحزن ودمعت عيناه ، وقال له : يا أيوب ، لو رأيت كيف أفلت من حيث أفلت والذي رمانا به من فوقنا ومن تحتنا ، ولو رأيت بنيك كيف عذبوا وكيف مثل بهم وكيف قلبوا فكانوا منكسين على رؤوسهم تسيل دماؤهم ودماغهم من أنوفهم وأجوافهم وتقطر من أشفارهم ، ولو رأيت كيف شقت بطونهم فتناثرت أمعاؤهم ، ولو رأيت كيف قذفوا